أخبار | تقارير

في الذكرى الأولى لاستشهاده.. أبو عبيدة: حضورٌ في الذاكرة لا يطويه الغياب

2026/08/30 9:29ص

كان أبو عبيدة أكثر من مجرد متحدثٍ باسم المقاومة؛ كان حضوراً وصوتًا ارتبط بمرحلةٍ فارقة من تاريخ شعبنا المرابط، وصدىً ظل يتردد في وجدان أمةٍ بأكملها.

بصوته الهادر كان الصورة المشرقة لمقاومة شعبنا الفلسطيني، ألهم الملايين ونحتت نبرته في ذاكرة جيلٍ كامل صورةً لا تغيب.

ارتبط صوت أبو عبيدة بأمجاد المقاومة وبطولاتها، ولا تزال تعبق في الذاكرة خطاباته المهمة في الأحداث المفصلية المقترنة بعمليات الأسر والتسلل خلف خطوط العدو.

وعلى الرغم من مرور عام على استشهاده، لا يزال حضوره يملأ الأرجاء، يستحضره الجميع، مميز النبرة، قويّ الحضور، نافذ التأثير، صادق الوعد، مرعب الأعداء، وجزء من ذاكرة لا يطويها النسيان.

صاحب الحضور

كان يطلّ متوشحًا بالكوفية الحمراء، التي أصلت حالة رمزية لشخصية “الملثم”، يصدح بصوت المقاومة ورسائلها؛ يزفّ البشائر والمفاجآت، ويفضح جرائم الاحتلال وذله وانكساره وهشاشته، ويشدّ أزر شعبنا، ويخاطب أسرانا بوعد الحرية التي طال انتظارها.

كان ينثر بكلماته الأمل، ويستعرض صمود شعبه الأسطوري وبطولات مقاومته وإنجازاتها العظيمة، ويحوّل الخطاب إلى لحظة فخر بأنه الوجه الأميز لمقاومة شعبنا.

أحيا أبوعبيدة في أبناء شعبنا الهمة والنزعة في مواجهة الاحتلال الغاصب، وكان يُستمد منه بشائر الصمود والثبات، ويستشرف من خلف عباراته حلمًا طال انتظاره: أن يأتي يومٌ يندحر فيه الاحتلال عن أرض فلسطين ومقدساتها.

وكانت الجماهير، ومعها الأحرار في كل مكان، تتلهف أمام شاشات الفضائيات لسماع خطابه؛ فما إن يظهر حتى ينصت الجميع لصوتٍ أصبح مألوفًا ومحبوبًا لدى الملايين.

صاحب التأثير

وفي الجهة الأخرى، لم تكن كلماته تمرّ على الاحتلال مرورًا عابرًا؛ فكل تصريحٍ كان يُرصد، وكل تهديدٍ كان يُقرأ بعناية، وكل كلمةٍ كانت تُوضع على طاولة التقدير الأمني والعسكري.

لقد أدرك الاحتلال أن الرجل الذي يقف خلف ذلك الصوت لم يكن يتحدث إلى شعبه فحسب، بل كان يخاطب عدوه أيضًا؛ ولذلك تحوّل ظهوره وخطابه إلى حدثٍ تنتظره الجماهير وتترقبه دوائر القرار في آنٍ واحد.

وهكذا، لم يكن أبو عبيدة مجرد وجهٍ يظهر على الشاشات، ولا مجرد صوتٍ يخرج في أحداث المعارك، بل أصبح رمزًا إعلاميًا وشخصيةً تركت أثرًا عميقًا في ذاكرة من استمعوا إليه.

نشأة الملثم

ولد الشهيد القائد حذيفة سمير الكحلوت “أبو إبراهيم” المشهور ب”أبو عبيدة” في السعودية بتاريخ 11-02-1985م وسط أسرة فلسطينية ملتزمة تعود أصولها إلى قرية نعليا المهجرة عام 1948م، وعاد إلى قطاع غزة ليستقر مع عائلته في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة.

منذ صغره كان أبو عبيدة فطنا ذكياً، وحفظ القرآن الكريم كاملاً، فتربى على حب الدين والجهاد في سبيل الله، ودرس في مدارس المخيم، وتفوق في الثانوية العامة، ودرس العلم الشرعي في كلية الشريعة في الجامعة الإسلامية وتخرج منها بامتياز، ودرس الماجستير، ولم تسعفه الظروف لاستكمال الدكتوراة.

تزوج أبو عبيدة عام 2005م، وكون أسرة ملتزمةً حتى حفظ جميع أبنائه كتاب الله، كما تميّزت شخصيته بصفات فريدة، ويشهد له من عرفوه بتواضعه وأدبه الكبيرين، وخلقه الرفيع، وهمته العالية، فكان رجلا ربانيا، صاحب حكمة وبصيرة، ذا شخصية تسكن القلوب.

كان أبو عبيدة داعية ومربياً للجيل، فصيحا طلق اللسان، على الشاشات متزناً في خطاباته، وفي الميدان مجاهدا يتقدم صفوف المرابطين على الثغور.

أبو عبيدة مقاوماً

التحق شهيدنا القائد منذ مطلع شبابه بصفوف حركة حماس مع اندلاع انتفاضة الأقصى، وكان انطلاقه في المسجد الذي ترعرع فيه وتربى على يديه العديد على العقيدة الصحيحة وحب الدين والوطن والجهاد في سبيل الله.

كان أبو عبيدة صاحب شخصية قيادية، وتولى العديد من المناصب الجهادية والحركية والأمنية والدعوية داخل حركة حماس، ما جعله قريبًا من الصف الأول داخل الحركة.

انضم إلى صفوف القسام وأصبح قائدا ميدانيا، وشارك في التصدي للتوغلات الصهيونية على شمال القطاع، ونشط في سلاح المدفعية بلواء شمال القطاع، وشارك في قصف مستوطنات الاحتلال ومواقعه، كما رافق عددًا من الاستشهاديين في لحظاتهم الأخيرة.

الظهور الأول

انضم أبو عبيدة إلى منظومة الإعلام العسكري لدى كتائب القسام في بداياتها عام 2004، وأصبح ناطقًا باسم الكتائب، فكان ظهوره الأول في مخيم جباليا خلال معركة أيام الغضب في أكتوبر 2004م.

طوال 20 عاماً حتى استشهاده، كان أبو عبيدة مقرباً من قيادة أركان المقاومة على مدار 20 عامًا، وكان موضع فخر لدى القائد العام الشهيد محمد الضيف، وعمل مباشرة مع مجموعة من القادة المؤسسين أحمد الجعبري، ومروان عيسى وغيرهم من القادة والمجاهدين.

 

على صعيد عمله الإعلامي، عمل أبو عبيدة في إعداد البيانات العسكرية وصياغتها، وشغل مجال الحرب النفسية الموجهة للاحتلال، حتى حصل على رتبة نائب قائد الإعلام العسكري في القسام.

قائد منظومة الإعلام

ترأس أبو عبيدة عام 2017 دائرة الإعلام العسكري حتى استشهاده، وكان يدير منظومة بارعة ذات تأثير قوي وتوصل الرسائل في الوقت المناسب، وتواكب إيقاع المقاومة وأدائها في الميدان.

إلى جانب ذلك، انتهج سياسة الحرب الإعلامية والنفسية التي كان يحسب لها العدو ألف حساب لما تشكله من تأثير على جبهته الداخلية وتدب الرعب في قلوب مستوطنيه.

وضع أبو عبيدة بصمات جلية على أداء الإعلام المقاوم، وكان التنسيق والتناسق حاضرا بين فعل الميدان وساحة الإعلام، وكانت الرسالة تدوي في الإعلام كما يدوي الصاروخ في الميدان.

الوجه المشرق

يقف أبو عبيدة وراء الحضور المميز لكتائب القسام منذ شرارة طوفان الأقصى، وكان الصدى في الإعلام قوياً كما كان في الميدان، وهذا ما يشير إلى النقلة النوعية والأداء المتقن الذي أحدثه.

كان أبو عبيدة الوجه المشرق للمقاوم الفلسطيني الذي ينتصر لمظلومية شعبه ومقدساته، ويصحح النهج، ويصوب بوصلة المسلمين نحو قضية فلسطين والقدس والأقصى.

كان حبُّ فلسطين ومقاومتها ومقدساتها يسكن وجدانه، فغدا رجلَ الكلمة والموقف، وصوتًا لم ينقطع عن شعبه رغم تعاظم التحديات، من قلب المعركة كان يخاطبهم؛ يثبّت القلوب، ويواسي الجراح، ويبعث في النفوس قبسًا من الأمل.

عزز أبو عبيدة رواية المقاومة الفلسطينية أمام الجميع، خاصة إعلام العدو الذي كان يترقب خطاباته بحثاً عن حقيقة غيبتها عنهم حكومتهم.

خطابات أبو عبيدة وبياناته كانت بمثابة مرجعية لا حياد عنها لدى المستوطنين، حيث اعتمدوا عليها كمصدر أساسي لمعرفة تهديدات المقاومة في الضربات الصاروخية والاطلاع على تطورات المعركة.

ظهور رغم الملاحقة

عاش أبو عبيدة مطارداً من الاحتلال وعملائه لدوره البارز في أداء المقاومة، وتعرض خلال طوفان الأقصى لعدة محاولات اغتيال قبيل استشهاده.

كما تجرع أبو عبيدة مع أبناء شعبه ومجاهديه المعاناة والمخاطر والظروف القاسية خلال الحرب، فعاش النزوح مع عائلته وصعوبات المعيشة والتجويع.

أبو عبيدة في الطوفان

خرج أبو عبيدة في اليوم الأول للطوفان في تسجيل صوتي ليعلن أن العشرات من ضباط وجنود الاحتلال وقعوا في أسر المقاومة، ويؤكد أن المعركة مستمرة ولا يعلم الاحتلال عن نتائجها الحقيقية شيئاً، وسيصاب بالذهول عندما يستفيق من خيبته.

في مرات عديدة أطل أبو عبيدة ليتحدث عن مجريات المعركة وأبرز عمليات المقاومة وبطولات المجاهدين في الميدان، وكان يحرض أبناء شعبنا في الضفة المحتلة والقدس على المشاركة في الطوفان وإرباك الاحتلال.

كما كان أبو عبيدة في خطاباته يعلن شروط المقاومة حول صفقة تبادل الأسرى، ويزف البشرى لأسرانا بأن موعد حريتهم قريب.

تحدث أبو عبيدة كثيرا عن صمود أبناء شعبنا الأسطوري رغم آلة الحرب، وعن قصص الثبات والتضحية التي تثبت عظمة هذا الشعب رغم خذلان القريب وجبن الأنظمة.

حتى وإن طال غياب أبو عبيدة لضرورات أمنية كان تستعجل الجماهير عودة خطاباته ليعيد فيها الأمل ويزودها بالخبر اليقين ويطمئن القلوب.

غاب أبو عبيدة عن الإعلام لمدة تزيد على ثلاثة أشهر، تزامن ذلك مع أوج المجاعة التي انتهجها الاحتلال ضد قطاع غزة، قبل أن يعود في خطابه الأخير.

الخطاب الأخير

في الثامن عشر من يوليو 2025 أطل أبو عبيدة للمرة الأخيرة، في خطاب اعتبر وصية ورسالة وداع حملت في كلماتها عتابًا قاسيًا للأمة العربية والإسلامية، وللقادة والنخب والأحزاب والعلماء الذين لم يؤدوا واجبهم تجاه غزة وأهلها وهم يتعرضون للإبادة.

اعتبر أن صمت الأمة وخذلانها شكل دافعا للاحتلال للتمادي في الإبادة، قائلا: “إن قيامنا بواجبنا الذي كلفنا به ربنا، مدافعة العدو وقتاله، لا يعفي أمة المليارين من واجبها الذي ضيعته للأسف”.

استنكر أبو عبيدة مشاهدة أنظمة وقوى أمتنا أشقاءهم في أرض الرباط وهم يقتلون بعشرات الآلاف ويجوعون ويمنعون من الماء والدواء.

وكان أكثر ما تركه خطابه وقعًا عبارته التي وجّهها إلى قادة الأمة ونخبها وأحزابها وعلمائها: “أنتم خصومنا أمام الله.. أنتم خصوم كل طفل يتيم، وكل ثكلى، وكل نازح ومشرد ومكلوم وجريح ومجوع.. لن نعفي أحدا من مسؤولية الدم النازف”.

رحيل القائد

ترجل شهيدنا القائد بعد عَقدينِ من إغاظةِ الأعداءِ وإثلاجِ صدورِ المؤمنين، ليلقى اللهَ على خيرِ حالٍ، وأيُّ علامةٍ أدلُّ على الصدقِ معَ اللهِ، منْ أنْ يَرفعَ اللهُ ذِكرهُ في العالَمينَ، ويَضعَ لهُ القَبولَ في الأرض.

ارتقى شهيدنا القائد حذيفة الكحلوت إثر عملية اغتيال مباشرة مع عائلته بتاريخ 30-08-2025م، لتنال معه شرف الشهادة زوجته وأبناؤه ليان ومنة الله ويمان.

استشهاد أبو عبيدة، شكل صدمة للجميع، وكيف لشخصيته الفذة التي أرهقت العدو أن تغيب بلا رجوع، لقد كان رحيله خاتمة مشرفة لمشوار جهادي عظيم.

مع رحيله، راكم أبو عبيدة وعياً في ذاكرة الأجيال بصوابية نهج المقاومة في الدفاع عن الوطن والأرض والمقدسات، وبأن دحر الاحتلال عن تراب فلسطين سيتحقق بوعد الله.

رابط مختصر: