قبل صباح السابع من أكتوبر عام 2023م بسنوات طويلة، كانت الضفة والقدس وغزة تعيش مسارا متراكما من الاحتلال والاستيطان والحصار والاقتحامات والاعتقالات، فيما كان يعيش الأسرى الفلسطينون داخل سجون الاحتلال تنكيلا متصاعدا وقمعا متكررا بحقهم، فيما دخل عام 2023 محمّلا بمستوى مرتفع من التوتر خاصة في القدس المحتلة.
ووسط هذه البيئة والتعنت الصهيوني جاء السابع من أكتوبر حين نفذت كتائب القسام عملية طوفان الأقصى أكبر وأهم عملية عسكرية في تاريخ الصراع مع المحتل، واخترقت السياج المحيط بقطاع غزة، وهاجمت بآلاف المقاتلين مواقع الاحتلال وقواعده العسكرية، وفي الساعات الأولى للعملية، قدّم القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام شهيد الأمة الكبير محمد الضيف (أبو خالد) رواية المقاومة لأسبابها ودوافعها، واضعا المسجد الأقصى والأسرى والاعتداءات في الضفة والحصار في صدارة دوافع العملية البطولية.
ولفهم ذلك اليوم يصبح الرجوع إلى السنوات والأشهر التي سبقته ضرورة مُلحة لفهم السياق الذي تشكّل فيه القرار، وبذلك نسير الطريق الطويل إلى السابع من أكتوبر المجيد.
عقد ونصف من الحصار
منذ يونيو/حزيران 2007، فرض الاحتلال حصارا شاملا ومشددا على قطاع غزة بريا وبحريا وجويا، وقيد حركة أكثر من مليوني فلسطيني، وشل حركة البضائع من القطاع وإليه، ما أضعف اقتصاد غزة، وعمّق البطالة والفقر، وقيّد الوصول إلى العلاج والتعليم وفرص العمل خارج القطاع.
إلى جانب ذلك ترافق مع الحصار قيود على الصادرات والواردات والمواد التي يصنفها الاحتلال “مزدوجة الاستخدام”، وفرض قيودا على مناطق الصيد والوصول إلى الأراضي الزراعية خاصة في المناطق الشرقية للقطاع، ما جعل سكان غزة يعيشون لسنوات في ظروف صعبة ومعقدة.
وقبل أكتوبر 2023، كانت المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الأزمة، وبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، اقتربت البطالة في غزة من 45%، وعاش قرابة ثلثي السكان في الفقر، واعتمد نحو 80% منهم على المساعدات الدولية، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي في غزة على امتداد سنوات الحصار، فيما بقي الاقتصاد عاجزا عن استعادة خسائره الناتجة عن عدوان الاحتلال المتكرر على القطاع.
وخلال سنوات الحصار شن الاحتلال على غزة عدوانا متكررا، أبرزه معركة الفرقان عام 2008، وحجارة السجيل عام 2012، ومعركة العصف المأكول عام 2014، ثم سيف القدس عام 2021، وفي كل جولة كانت البنية التحتية والمنازل والمنشآت الاقتصادية تتلقى خسائر جديدة، بينما بقيت إعادة الإعمار محكومة بقيود الحصار وإدخال المواد.
وفي مايو/أيار 2023، وقبل خمسة أشهر فقط من عملية طوفان الأقصى، شهدت غزة عدوانا جديدا استمر عدة أيام، وبذلك دخلت غزة النصف الثاني من عام 2023 بعد سنوات من الحصار وجولات عسكرية متلاحقة، من دون أي انفراجة أو تسوية سياسية تنهي الحصار وتلجم الاحتلال عن عدوانه المتكرر على شعبنا.
الأقصى صاعق التفجير
أولت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أولوية قصوى للدفاع عن المسجد الأقصى وتحريره من دنس المحتلين، واحتل الأقصى موقعا مركزيا في خطابتها خلال السنوات السابقة لعملية طوفان الأقصى، خصوصا بعد معركة سيف القدس التي خاضتها كتائب القسام والمقاومة الباسلة للدفاع عن المسجد الأقصى واستمرت 11 يوما.
ومع أن كتائب القسام أبقت سيفها مشرعا للدفاع عن الأقصى إلا أن نتنياهو وحكومته المتطرفة لم تفهم الدرس جيدا، ومع صعود اليمين المتطرف والذي دعا إلى توسيع حضور اليهود وصلواتهم داخل المسجد الأقصى، ظل الأقصى واحدا من أكثر ساحات التوتر حساسية، مع تصاعد تحركات وزراء ونواب من اليمين وجماعات “الهيكل” المتطرفة الساعية إلى توسيع الحضور والعبادة اليهودية في باحاته، وافتتح وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير العام بدخول الأقصى في 3 يناير، في خطوة دفعت مجلس الأمن إلى عقد جلسة طارئة وسط تحذيرات من المساس بالوضع التاريخي القائم، ثم كرر زياراته خلال العام.
وفي رمضان اقتحمت قوات الاحتلال المسجد الأقصى فجرا لإخلاء المعتكفين، وأصابت 43 مصليا واعتقلت نحو 440 آخرين، بالتزامن مع محاولات ناشطين يهود الوصول إلى المكان لتقديم ما يُسمى بـ “قرابين الفصح”، واستمرت خلال الأشهر التالية مظاهر الصلاة والطقوس اليهودية داخل باحات الأقصى، فيما شهد سبتمبر قيودا على دخول الفلسطينيين وإخلاء مصلين لتأمين دخول مجموعات صهيونية.
الضفة على حافة الانفجار
قبل السابع من أكتوبر كانت الضفة الغربية تعيش مسارا متصاعدا من المواجهة، ففي عام 2022 والذي وصفه مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنه شهد أعلى عدد من الفلسطينيين الذين قتلتهم القوات الاحتلال خلال 17 عاما، ومع دخول 2023، ارتفعت وتيرة الاقتحامات والاشتباكات المسلحة وعمليات القتل والاعتقال في جنين ونابلس ومناطق أخرى.
وبحلول منتصف مايو/أيار 2023، كان الاحتلال قد قتل أكثر من 108 فلسطينيين في الضفة الغربية، أي أكثر من ضعف العدد المسجل في الفترة نفسها من عام 2022، وفي الثالث والرابع من يوليو/تموز، نفذت قوات الاحتلال عملية عسكرية واسعة في مدينة جنين ومخيمها، شارك فيها أكثر من ألف جندي، واستخدمت خلالها طائرات مسيرة، وأسفرت العملية عن استشهاد 12 فلسطينيا، بينهم أربعة أطفال، وإصابة أكثر من 140، إلى جانب أضرار واسعة في المنازل والطرق وشبكات المياه والصرف الصحي ونزوح مئات العائلات، ووصفت الأمم المتحدة العملية بأنها الأوسع في الضفة منذ سنوات، وسجلت خلالها أكبر حصيلة شهداء فلسطينيين في عملية واحدة بالضفة منذ عام 2005.
إلى جانب العمليات العسكرية الصهيونية الممنهجة، شهد عام 2023 تصاعدا في اعتداءات المستوطنين، ففي 26 فبراير/شباط، هاجم مئات المستوطنين بلدة حوارة وقرى مجاورة جنوب نابلس، وأحرقوا عشرات المنازل والمحلات التجارية والمركبات.
التوسع الاستيطاني
في موازاة المواجهات الميدانية، واصل الاحتلال توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وشهدت المستوطنات خلال عام 2023 إقرار خطط وعطاءات لنحو 30,682 وحدة استيطانية في الضفة والقدس، منها 12,349 وحدة في الضفة و18,333 وحدة في القدس وهي الأعلى منذ توقيع اتفاق أوسلو.
ويؤكد قرار مجلس الأمن 2334 أن المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس المحتلة، لا تتمتع بشرعية قانونية وتشكل انتهاكا للقانون الدولي، وأدى تزايد وتوسع الاستيطان إلى التهام أراضي المواطنين على حساب مستوطنات وشبكة من الطرق والحواجز والبؤر الاستيطانية.
الأسرى في قلب المواجهة
مثّل ملف الأسرى عاملا مهما ومحوريا في المشهد السابق للسابع من أكتوبر، حيث تصاعدت الشكاوى من الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية، والإهمال الطبي، والعزل الانفرادي، والحرمان من الزيارات العائلية، إلى جانب التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاعتقال والتحقيق.
ومع تولي المتطرف بن غفير وزارة الأمن القومي مطلع 2023، اتجه الاحتلال إلى تشديد ظروف الاعتقال، فأغلق مخابز كان الأسرى يديرونها في سجني ريمون وكتسيعوت، وفُرضت قيود على أوقات الاستحمام في بعض الأقسام، كما أعلن بن غفير في سبتمبر 2023 تقليص الزيارات العائلية لأسرى الضفة إلى مرة كل شهرين.
لهذا حضر ملف الأسرى بصورة مباشرة في خطاب القائد العام لكتائب القسام القائد الشهيد محمد الضيف صباح السابع من أكتوبر، ضمن القضايا التي عددها أثناء إعلانه بدء العملية، كما شكل أسر جنود الاحتلال خلال عملية طوفان الأقصى هدفا عمليا يرتبط بإجراء عملية تبادل وتحرير الأسرى من داخل سجون الاحتلال.
وفي هذه البيئة الصعبة تشكل قرار قيادة المقاومة في تنفيذ عملية نوعية تُحقق لشعبنا حقه في تقرير مصيره وتضع حدا لغطرسة الاحتلال، لذلك لم يأتِ السابع من أكتوبر من فراغ، ولم يكن حدثا منفصلا عما سبقه، جاء كردة فعل طبيعية في نهاية مسار طويل من الحصار والاستيطان والقتل والاعتقال واقتحامات الأقصى وانسداد الأفق السياسي، وفي واقع ظل فيه شعبنا يواجه اتساع الاحتلال وتآكل أرضه وحريته عاما بعد آخر.
