لم تكن المنطقة عشية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تسير نحو تسوية للقضية الفلسطينية، كانت تتحرك في اتجاه معاكس تماما، تمدد استيطاني في الضفة الغربية، واقتحامات متصاعدة للمسجد الأقصى، وارتفاع غير مسبوق في أعداد الشهداء والجرحى، وآلاف الأسرى يعيشون ظروفا اعتقالية مريرة، وحصار طويل أنهك قطاع غزة، ومسار إقليمي تقوده مشاريع التطبيع ودمج الاحتلال في المنطقة بعيدا عن أي حل سياسي يمنح شعبنا حقوقه الوطنية.
وسط هذه البيئة جاءت عملية طوفان الأقصى المجيدة في 7 أكتوبر 2023، وأعلنت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” منذ اليوم الأول للعملية عن الدوافع الحقيقية وراء هذه العملية والمتمثلة في تصاعد الانتهاكات ضد المسجد الأقصى، ومعاناة الأسرى، واستمرار الحصار، والاعتداءات في الضفة الغربية وتوسع الاستيطان.
القضية تتراجع خلف قطار التطبيع
وفي ظل هذه الظروف والمعاناة المركبة التي يعيشها شعبنا على الأصعدة كافة كانت القضية الفلسطينية تفقد تدريجيا موقعها المركزي في أجندة العلاقات الإقليمية، خاصة بعد اتفاقات التطبيع التي أبرمها الاحتلال مع دول عربية منذ عام 2020، تحولت الأنظار خلال عام 2023 إلى مفاوضات أميركية مكثفة لمسار التطبيع مع دول عربية، في خطوة كان من شأنها إحداث تحول استراتيجي واسع في المنطقة.
بالتوازي مع ذلك أصبح دمج الاحتلال في بنية إقليمية اقتصادية وأمنية هدفا معلنا في السياسة الأميركية، بينما بقي المسار الفلسطيني مجمدا، وغابت المفاوضات السياسية الجدية بشأن إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.
جاءت عملية طوفان الأقصى لتقطع ذلك المسار وتعيد القضية الفلسطينية إلى قلب أي نقاش متعلق بمستقبل المنطقة، وتغير موقع القضية الفلسطينية داخل معادلة التطبيع، فالقضية التي أمكن تجاوزها في مشاريع إقليمية سابقة عادت لتصبح عنصرا مركزيا في النقاش المتعلق بمستقبل العلاقات والترتيبات الأمنية والسياسية للمنطقة.
الحرب تقلب صورة المشهد
رد الاحتلال على عملية طوفان الأقصى بحرب إبادة واسعة على قطاع غزة، استهدفت كل شي من بشر وحجر وشجر ودمرت كل شيء داخل قطاع غزة، وخلال الأسابيع الأولى لحرب الإبادة، ومع اتساع القصف والعمليات البرية وتزايد أعداد الشهداء المدنيين والدمار والنزوح والجوع، أخذت صورة الحرب في المؤسسات الدولية والعواصم الغربية تتغير تدريجيا.
في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام مجلس الأمن إنه يشعر بقلق بالغ إزاء انتهاكات واضحة للقانون الدولي الإنساني، مؤكدا أن الاحتلال ليس فوق القانون، وبعد أقل من أسبوعين وصف غزة بأنها أصبحت مقبرة للأطفال، وقال إن ما يجري تجاوز حدود الأزمة الإنسانية إلى “أزمة للإنسانية”، وبحلول يناير/كانون الثاني 2024 كان غوتيريش يتحدث عن دمار شامل في قطاع غزة ومستويات من قتل المدنيين قال إنها غير مسبوقة خلال سنوات عمله أمينا عاما للأمم المتحدة.
هذه اللغة الصادرة عن أعلى مسؤول في الأمم المتحدة عكست إعادة القضية الفلسطينة للمشهد الدولي مجددا، وكشفت للعالم عدالة القضية.
غزة في محكمة العدل الدولية
ظهر التحول بصورة أكثر وضوحا في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2023، حين تقدمت جنوب أفريقيا بدعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها الاحتلال بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
وفي 26 يناير/كانون الثاني 2024 قالت المحكمة إن بعض الحقوق التي تطلب جنوب أفريقيا حمايتها بموجب اتفاقية الإبادة “معقولة”، ومن بينها حق الفلسطينيين في غزة في الحماية من أفعال الإبادة والأفعال المرتبطة بها.
وبعد شهرين عادت المحكمة وأصدرت تدابير إضافية بسبب تفاقم ظروف الحياة وانتشار الجوع، مطالبة بضمان وصول الغذاء والمياه والكهرباء والوقود والمستلزمات الطبية إلى سكان القطاع على نطاق واسع ومن دون عوائق، وبذلك انتقلت الحرب إلى أعلى هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، وأصبحت أفعال الاحتلال في غزة موضوع قضية دولية تستند إلى اتفاقية الإبادة الجماعية.
من محكمة العدل إلى مذكرات الاعتقال
بعد أقل من عام جاءت خطوة قضائية دولية أخرى، ففي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ووزير حربه يوآف غالانت، وقالت المحكمة إنها تعتقد بمسؤوليتهما عن جريمة الحرب المتمثلة في استخدام التجويع وسيلة للحرب، وعن جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والاضطهاد وأفعالا لاإنسانية أخرى، إضافة إلى مسؤولية مرتبطة بهجمات موجهة ضد السكان المدنيين.
وبغض النظر عن المواقف السياسية الدولية المتعارضة تجاه المحكمة وقراراتها، شكل صدور مذكرتي الاعتقال سابقة غير مسبوقة لرئيس حكومة الاحتلال وهو في منصبه، ونقل النقاش حول الحرب إلى مستوى المسؤولية الجنائية الشخصية أمام مؤسسة قضائية دولية.
فلسطين تعود إلى المؤسسات الدولية
امتد التحول من ساحات القضاء إلى الدبلوماسية، ففي مايو/أيار 2024 ونتيجة طبيعية لطوفان الأقصى صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يؤكد أهلية دولة فلسطين للحصول على العضوية الكاملة في المنظمة، بعد أن حال الفيتو الأميركي دون صدور توصية من مجلس الأمن.
وفي الشهر نفسه أعلنت إسبانيا والنرويج وإيرلندا اعترافها رسميا بدولة فلسطين، وتواصل المسار خلال 2025، حيث اعترفت المملكة المتحدة رسميا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول، وربطت الحكومة البريطانية قرارها بتدهور الأوضاع في غزة واستمرار التوسع الاستيطاني وضرورة الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وشهدت اجتماعات الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 موجة اعترافات إضافية، وأشار تقرير أممي إلى إعلان عشر دول على رأسها فرنسا اعترافها بدولة فلسطين خلال أعمال المؤتمر رفيع المستوى الخاص من أجل تسوية سلمية للقضية الفلسطينية.
وبعد أقل من عامين من الحديث عن تراجع القضية الفلسطينية خلف مشاريع الاندماج الإقليمي، عادت فلسطين إلى قلب الجمعية العامة والمحاكم الدولية والاجتماعات الوزارية الكبرى، وتحولت القضية الفلسطينية مجددا إلى ملف حاضر في قرارات حكومات غربية كانت تتجنب الاعتراف بها لعقود.
الاحتلال نفسه أمام المحكمة
وفي يوليو/تموز 2024 أضافت محكمة العدل الدولية بعدا أوسع يتجاوز الحرب الجارية في غزة، ففي رأي استشاري يتعلق بالاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية، خلصت المحكمة إلى أن استمرار وجود الاحتلال في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن عليها إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية، كما اعتبرت سياسات الاستيطان والضم وإحكام السيطرة على أجزاء من الأراضي المحتلة انتهاكا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وهكذا اتسعت دائرة النقاش من حرب إبادة في غزة إلى أصل الصراع نفسه وهو الاحتلال الممتد منذ عشرات الأعوام، والاستيطان، وحق تقرير المصير.
الخريطة الإقليمية تتغير
لم تبق تداعيات الحرب الإبادة داخل حدود غزة فقط، حيث وصف المنسق الخاص للأمم المتحدة الحرب بأنها امتدت إلى المنطقة، مشيرا إلى اندلاع الحرب في لبنان واليمن والعراق والحرب المباشرة بين إيران والاحتلال.
وبذلك أصبح مستقبل غزة جزءا من معادلات الأمن الإقليمي، وأصبحت الدولة الفلسطينية عنصرا مطروحا في مشاريع ما بعد الحرب وفي المباحثات العربية الأميركية، فالمعادلة التي سبقت طوفان الأقصى كانت تقوم على إمكانية بناء شرق أوسط جديد عبر التعاون الاقتصادي والتحالفات الأمنية والتطبيع مع الاحتلال مع إبقاء القضية الفلسطينية في عزلة وهامشية، لكن ما إن جاء الطوفان حتى أعاد القضية إلى صلب الاهتمام الدولي والإقليمي.
من هامش السياسة إلى مركزها
وفي المستوى السياسي والدبلوماسي أحدثت عملية طوفان الأقصى تحولا يصعب تجاهله، فالقضية الفلسطينية التي بدت عشية الطوفان محاصرة بجمود المسار السياسي وتسارع الاستيطان وموجة التطبيع عادت إلى قلب السياسة الدولية.
وأصبحت غزة قضية مطروحة أمام محكمة العدل الدولية، وأصبح مجرم الحرب ووزير حربه مطلوبين بموجب مذكرتي توقيف صادرتين عن المحكمة الجنائية الدولية، واتسعت دائرة الاعتراف بدولة فلسطين، وعادت العضوية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال إلى صدارة اجتماعات الأمم المتحدة.
وهكذا لم تعد القضية الفلسطينية ملفا مؤجلا يمكن تجاوزه، فعملية طوفان الأقصى فجرت تناقضات المسار الذي سبقها، ووضعت الاحتلال والاستيطان والحصار وحق تقرير المصير أمام العالم من جديد، ودفعت دولا ومؤسسات دولية إلى مراجعة مواقفها المعادية لشعبنا والتي ظلت مستقرة سنوات طويلة.
