أحدثت معركة «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 زلزالًا هزّ أركان الكيان الصهيوني، في هجوم يُعد الأكبر في تاريخ الاحتلال والأبرز في تاريخ المقاومة، كاشفًا عمق التصدع في منظومته الأمنية والاستخبارية، وحجم الإخفاق الاستراتيجي الذي أصابها في مقتل.
جاء الطوفان ليؤكد للاحتلال أن بقاء كيانه ليس بالقوة التي يتوهمها، وأن منظومة الأمن التي طالما روّج لها لم تكن عصية على الاختراق، وأنه سيبقى كيانًا دخيلًا على أرضنا، محاصرًا بهاجس الأمن ما دام شعب محتلا يعيش تحت بطشه وعدوانه.
وأحدث الطوفان هزة عميقة في الكيان على مختلف الأصعدة، وشكّل محطة فارقة وتحولًا كبيرًا في مسار الصراع، بعدما وجد الاحتلال نفسه أمام هجوم واسع ومتناسق طال المواقع العسكرية والمستوطنات والكيبوتسات في غلاف قطاع غزة، وعجزت منظومته عن احتوائه.
الطوفان يجتاح الحدود
وكان الحدث الأبرز في الطوفان العملية الأكبر التي استهدفت مقر قيادة فرقة غزة في قاعدة «ريعيم» وتشكيلاتها العسكرية في المواقع والمستوطنات والكيبوتسات، حيث سقطت الفرقة، وأُجْهِز على قائدها وقواتها وآلياتها خلال الساعات الأولى للهجوم، في مشهد أحدث شللًا في أركان الجيش الصهيوني، وجعله عاجزًا عن التصدي للهجوم الواسع.
كان الطوفان قرار مقاومة يعيش شعبها تحت قهر الاحتلال وبطشه منذ 78 عامًا، وجاء تذكيرًا للعالم الذي تجاهل معاناة شعبنا والجور الذي تعرض له وأنصف الجلاد بأن الطوفان كان ردة فعل طبيعية لمقاومة شعب يرزح تحت ظلم الاحتلال.
ولم يكن الطوفان وليد اللحظة؛ فبقدر ما أوقعه من مفاجأة مدوية، كان ثمرة تراكم لجهد طويل وإعداد كبير، وتجهيز للخطط وبناء لعنصر المفاجأة، وصولًا إلى هجوم يأتي من حيث لا يحتسب الكيان ومنظومته الأمنية.
كواليس الطوفان
أكدت كتائب القسام أنها جهزت للهجوم باستدعاء 3000 عنصر للمناورة والاقتحام، و1500 عنصر للدعم والإسناد وصولًا إلى ساعة الصفر، حيث بدأت المعركة بهجوم منسق ومتزامن لتدمير فرقة غزة، ثم تطوير الهجوم إلى داخل مستوطنات الغلاف.
وبحسب كتائب القسام، سبقت المعركة عملية تحليل لمناطق العمليات وتقدير موقف استخباري من خلال دراسة نظام معركة العدو ومعرفة إمكانات العدو. واشتملت الخطط على خطة دعم ناري لتأمين اقتراب عناصر المقاومة من المواقع المستهدفة عبر غطاء من سلاح المدفعية، لتثبيت المواقع العسكرية في فرقة غزة والقواعد الجوية وقواعد الدعم اللوجستي، إلى جانب تثبيت مواقع المناورة خارج فرقة غزة.
وأشارت القسام إلى أن خطط هجوم السابع من أكتوبر اشتملت على أسلوب الإعماء، بهدف حجب تحرك عناصر المقاومة واقترابهم من الجدار الفاصل عن رصد العدو، إلى جانب خطة فتح الثغرات في منظومات الجدار الفاصل، ومخطط المناورة واقتحام المواقع والانسحاب بالأسرى وقطع النجدة عن العدو.
كما شملت الخطط الاتصالات والدعم اللوجستي والإعلام ونقل الصورة، والقيادة والسيطرة العملياتية، والخداع على المستويين الاستراتيجي والعملياتي، إضافة إلى المناورات الحية التي تحاكي الأهداف وتفحص جهوزية القوات باستمرار.
سيّد المُعادلات
جاء «طوفان الأقصى» ليحدث هزة مدوية وغير مسبوقة في كيان الاحتلال، ولا تزال ارتداداته حاضرة حتى اليوم، فيما تتوالى الاتهامات داخل أروقة المنظومتين الأمنية والسياسية حول الفشل الذريع في توقع الهجوم، ورصد تحضيراته، والحيلولة دون وقوعه.
وكان وقع الطوفان مدويًا في الأرجاء، وبمثابة سيد المعادلات التي فرضتها المقاومة، وشكّل خطوة راشدة على الطريق الأصوب والخيار الأنجع لشعبنا في مسار دحر الاحتلال وطرده من أرضنا.
واعترف الكيان ومنظومته، عبر تحقيقات متوالية لم تنته فصولها بعد، بالفشل الذريع في منع الطوفان أو وقفه، وأثبت أن حنكة المقاومة في التدبير للهجوم بصورة غير متوقعة أو مسبوقة، وعنصر الخداع الذي جرى الإعداد له، حالا دون اكتشافه.
فشل ذريع
وأشارت التحقيقات إلى أن الجيش الصهيوني عانى من افتقاره إلى المعلومات الاستخبارية وعدم جهوزيته للتصدي لهجوم بهذا الحجم الكبير، الذي كان هدفه الأساسي شل قدرات الجيش في اللحظات الأولى وإحباط ردة فعله المباشرة، وهو ما أكدت مجريات الطوفان نجاحه في تحقيق ما جرى التخطيط له.
وأكدت التقارير أن الهجوم الصادم شل قدرة الجيش على المواجهة المباشرة، وأن أداءه كان مخيبًا في التصدي لهجوم نخبة القسام على المواقع العسكرية والمستوطنات، فيما جاءت ردة فعله متأخرة جدًا بعد أن تم القضاء على فرقة غزة.
وأجمعت تحقيقات الاحتلال على أنه، تحت وقع الصدمة الكبيرة، لم تكن هناك خطة مسبقة لدى الجيش للتصدي للهجوم، مع غياب التنسيق بين الوحدات العسكرية، وانقطاع الاتصالات، وفشل الجهود الاستخبارية، حتى إن الضباط الصهاينة هربوا إلى الملاجئ قبل الجنود أنفسهم، وكانوا يديرون المعركة عبر الهاتف لا بأجسادهم، ما مكّن عناصر النخبة من الإجهاز على مَن تبقى منهم، وسقوطهم بين قتيل وجريح وأسير.
ولم يتوقف الفشل عند حدود الساعات الأولى للهجوم، بل بقيت تداعياته حاضرة في المنظومتين السياسية والأمنية داخل الكيان. وبعد ثلاثة أعوام من الطوفان، لا تزال حكومة الاحتلال تحبط وتمنع تشكيل لجنة تحقيق متكاملة في هجوم طوفان الأقصى لاعتبارات سياسية.
تداعيات الطوفان
ولا يزال الطوفان يلقي بظلاله الثقيلة في الداخل الصهيوني؛ فأصبحت ثقة الصهاينة بالجيش والحكومة أكثر هشاشة، وترسخ لديهم شعور بالإحباط وفقدان الأمن، مع استمرار الاتهامات بشأن المسؤولية عن الإخفاق، فيما يبقى ملف الفشل الأمني والاستخباري الذي كشفه السابع من أكتوبر مفتوحًا حتى اللحظة.
تداعيات الطوفان حاضرة بقوة اليوم وتُرصد بعيون أمنية وسياسية، فيما لم ينتهِ شعور الخيبة؛ من سقوط منظومة الأمن الصهيونية أمام الهجوم، إلى استمرار الشكوك التي تعتري مستقبل كيان الاحتلال بعد الطوفان، فكيف يمكن لكيان عجز عن حماية مستوطنيه ألا تساوره هواجس الزوال؟
أثبت الطوفان أمام الاحتلال والعالم أن الشعب الفلسطيني ومقاومته يمتلكان إرادة صلبة وعزيمة على التحدي والمواجهة، وأن جرائم العدو المتواصلة لا يمكن إلا أن توقد نار الثورة، وأن المقاومة جدوى مستمرة، وستواصل مشروعها حتى دحر الاحتلال وطرده عن أرضنا.
