تقارير

في الذكرى ال23 لاستشهاده || القائد إسماعيل أبو شنب.. رجل القواسم المشتركة وأيقونة الوحدة الوطنية

2026/08/21 12:39م

يوافق اليوم الحادي والعشرون من أغسطس ذكرى استشهاد عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” وأحد أبرز قادتها السياسيين المهندس القائد الشهيد إسماعيل أبو شنب واثنين من مرافقيه.

في ذكرى اغتياله الثالثة والعشرين، تُستعاد اليوم سيرة الرجل بوصفه أيقونة للوحدة الوطنية ورجل القواسم المشتركة، إذ نجح في الجمع بين صلابة الموقف ومرونة السياسة، ورأى في الوحدة الوطنية ضرورة لا تقل أهمية عن مقاومة الاحتلال.

وفي الحادي والعشرين من أغسطس عام 2003، قصفت طائرات الاحتلال الحربية سيارته في مدينة غزة بصاروخين ليستشهد على الفور، لتبقى مواقفه شاهدة على تجربة سياسية جمعت بين العمل المقاوم والعقلانية السياسية، والسعي الدائم إلى بناء مساحات مشتركة داخل الساحة الفلسطينية.

نشأته

وُلد أبو الحسن عام 1950 لعائلة هجّرها الاحتلال من قرية الجيّة في قضاء عسقلان، بعد عامين فقط من نكبة فلسطين، نشأ في مخيم النصيرات، ثم في مخيم الشاطئ، وهناك تشكل وعيه الأول في بيئة كان فيها الوطن الغائب حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، وكانت فلسطين بالنسبة إلى جيله أكثر من قضية سياسية، كانت ذاكرة عائلة وهوية ومصيرا موجها إلى العودة.

تفوّق أبو شنب في مسيرته العلمية، والتحق عام 1970 بكلية الهندسة في مصر، حيث حصل على البكالوريوس في الهندسة المدنية، قبل أن يكمل دراسته ويحصل على درجة الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1983.

كان الطريق مفتوحا أمامه ليستقر خارج فلسطين ويصنع لنفسه حياة مهنية في دولة عربية أو أجنبية، لكنه اختار أن يعود إلى وطنه ليبدأ مسيرة مهنية تنقلت بين أكثر من موقع، فعمل في تدريس اللغة الإنجليزية، ثم مهندسا في بلدية غزة، وتولى رئاسة قسم الهندسة في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، كما عمل مهندسا في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.

غير أن السيرة المهنية لم تكن منفصلة عن مسار آخر كان يتشكل بالتوازي، مسار الرجل الذي بدأ ينخرط تدريجيا في العمل العام والوطني، في السنوات التي سبقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.

مسيرته السياسية

شكّل لقاؤه بالشيخ المؤسس الشيهد أحمد ياسين محطة مركزية في حياته، بدأت العلاقة باستماع أبو شنب إلى خطب الشيخ ومواعظه، قبل أن تتحول إلى تأثر فكري وعلاقة تنظيمية، ثم إلى شراكة في بناء مؤسسات أهلية واجتماعية كان يُنظر إليها باعتبارها إحدى ركائز العمل الإسلامي الفلسطيني في تلك المرحلة.

شارك أبو شنب عام 1976 في تأسيس العديد من المؤسسات كان من أبرزها نقابة المهندسين والجمعية الإسلامية، لتصبح تلك التجربة مدخلا مبكرا إلى العمل المنظم، وتكشف عن جانب ظل حاضرا في شخصيته حتى اغتياله وهو الجمع بين العمل المؤسساتي والفعل السياسي.

ومع اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، وانطلاق حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، برز أبو شنب كأحد أبرز قادة الحركة، وفي عام 1989 اعتقله الاحتلال، واتهمه بالاتصال بخلية تابعة لكتائب القسام كانت مسؤولة عن أسر الجندي الإسرائيلي إيلان سعدون وقتله، وحُكم عليه بالسجن ثمانية أعوام، أمضاها في سجون الاحتلال قبل أن يُفرج عنه عام 1997.

رجل القواسم المشتركة

ومع خروج المهندس الشهيد إسماعيل أبو شنب من سجون الاحتلال، اتسم نهجه السياسي بالبراغماتية، وانتهج الحوار الوطني بين مكونات العمل الوطني الفلسطيني كخيار استراتيجي لترتيب البيت الفلسطيني.

دعم أبو شنب مشاركة حماس في المحافل والحوارات الوطنية، وشارك ضمن وفد الحركة في حوار نابلس عام 1997، وأسهم في صياغة البيان المشترك الذي خرج به الحوار، كما شارك في تشكيل ما عُرف آنذاك بـ”سكرتاريا الحوار والوحدة الوطنية للفصائل والقوى الوطنية”، وأصبح لاحقا واحدا من أبرز أعضائها.

عمل أبو شنب الذي يُعد أيقونة الوحدة الفلسطينية على ترسيخ قواسم العمل المشترك بين مكونات الشارع الفلسطيني المختلفة، وضرورة وجود آلية تسمح بالتناغم بينها حتى مع اختلاف الاستراتيجيات والبرامج، وكان يرى أن القوى الوطنية ليست مطالبة بأن تتطابق في رؤاها واستراتيجياتها، لكنها مطالبة بإيجاد قواسم للعمل الوطني المشترك.

الوحدة من دون التنازل

لم يكن مفهوم الوحدة لدى أبو شنب قائما على تذويب المواقف السياسية أو دفع حركة حماس نحو مسار التسوية مع الاحتلال، كان يميز بين الحوار الفلسطيني الداخلي وبين التنازل عن الخيارات السياسية للحركة، ومن هنا استمر في الدفع نحو بناء قيادة وطنية موحدة تستطيع إدارة الصراع مع الاحتلال.

هذه الشخصية جعلته، بحسب شهادات قادة فلسطينيين وردت في بحث علمي تناول دوره الوطني، أقرب إلى “الإطار المشترك الجامع للقوى الوطنية والإسلامية”.

كانت تلك المساحة السياسية التي يتحرك فيها شديدة الحساسية، فالرجل الذي أمضى ثمانية أعوام في سجون الاحتلال تعرّض أيضا للاعتقال عدة مرات على يد أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، ومع ذلك لم يدفعه ذلك إلى التخلي عن قناعته بضرورة الحوار، أو إلى تحويل الخصومة السياسية إلى قطيعة وطنية.

ظل المهندس الشهيد أبو شنب يرى أن القضية أكبر من التنظيمات، وأن مواجهة الاحتلال تتطلب جبهة فلسطينية قادرة على إدارة اختلافاتها دون أن تتحول تلك الاختلافات إلى سلاح في الداخل.

في قلب الانتفاضة

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، دخل المشهد الفلسطيني مرحلة أكثر دموية، تصاعدت جرائم الاحتلال، واتسعت المواجهة، وأصبح الموقف المتعلق بتنسيق جهود القوى الفلسطينية أكثر ضرورة وإلحاحا.
وفي تلك المرحلة واصل أبو شنب العمل على تقريب المواقف بين الفصائل، وتوحيد الجهد الفلسطيني في مواجهة اعتداءات الاحتلال، في الوقت الذي احتفظ فيه بموقعه القيادي داخل حركة حماس وبدوره السياسي والإعلامي البارز.

كان حاضرا في النقاش الوطني، وفي الحوارات، وفي لحظات الأزمات، حتى أصبح اسمه مرتبطا بصورة السياسي الذي يعرف خصومه قبل حلفائه قدرته على الحديث والمحاججة والوصول إلى المساحات الممكنة للعمل المشترك.

اغتيال أيقونة الوحدة

في الحادي والعشرين من أغسطس 2003، استهدفت طائرات الاحتلال سيارته في مدينة غزة بصاروخين، ليرتقي شهيدا بعد مسيرة امتدت بين اللجوء والعلم والهندسة والعمل المؤسساتي، ثم السجن والسياسة والمقاومة والحوار الوطني.

اغتيال أبو شنب ترك وراءه تصورا سياسيا ظل حاضرا في كثير من النقاشات الفلسطينية، أن المقاومة لا تتناقض مع الحوار الوطني.

بعد ثلاثة وعشرين عاما على اغتياله، غدا القيادي أبو شنب أيقونة وطنية ووحدوية تلتقي عليها مكونات العمل الفلسطيني كافة، ومصدرا ملهما للوحدة الوطنية، ويستعاد اليوم بوصفه واحدا من أبرز وجوه السياسة والوحدة الوطنية في الساحة الفلسطينية.

رابط مختصر: